السبت، 2 أكتوبر، 2010

الحلقة الأولى : قراءة في مصطلح الإرادة الإلهية في القرآن – الشيخ والمفكر الاسلامي محمد حسني البيومي


الحلقة الأولى : قراءة في مصطلح الإرادة الإلهية في القرآن – الشيخ والمفكر الاسلامي محمد حسني البيومي

http://alsajdoon.wordpress.com/2010/08/11

قراءة

في

مصطلح الإرادة

الإلهية

في القرآن


الشيخ

محمد حسني البيومي

مركز أمة الزهراء

فلسطين

مصطلح الإرادة الإلهية في القرآن :

المدخل القرآني للمصطلح :

قال تعالى :

{يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }النساء26

{وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء27

{يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً }النساء28

وفي سياق المدخل القرآني يتجسد فيه روح الإرادة المعرفية الغيبية وبيان الهداية الإلهية كفعل مواجه ونقيض مواجه لإرادة الشهوة والميول النفسية الهابطة

[مَيْلاً عَظِيماً ].والمتجهة لتخريب البنية الإنسانية المجتمعية والقرآن الكريم وهو الدستور الإلهي بالقطع يكون منحازا لخلق الإنسان الإنساني غير المتضاد مع قانون الشريعة .. وهو التخفيف من خلال شطب معادلة الغلو والتشادد مع الدين بالتكفير وشطب معادلة الإنسان ، وهو المحاولة الآثمة لقتل الإنسان ..

والغلو الديني هو أخطر أشكال الشهوة والانتقام الذاتي المجتمعي .. وفي قراءة آيات القرآن المحتوية على فعل [ الإرادة ] نجد فيها الإعجاز العددي والمركب التوحيدي . وفي هذه القراءة نجد العدد المحتوي لفعل الإرادة الإلهية [ 74] والجذر [ يريد ]عدده [ 54 ] ..

وفي صيغة المضارع المستمر [ إنما يريد ] جاء بعدد [ 4 ]

واحدة منها خاص بالشيطان والثلاثة المتبقيات خاصة بفعل الإرادة الإلهية [ التوبة : الآية 55 ، 85 = الأحزاب الآية 33 ] وهي عدد فردي ثلاثي توحيدي وهو تحديد لحالة حزب الله الغالبون ..

والفعل المضارع المستمر في القرآن هو توكيد لعمق حالة الأمر الإلهي وميزان إرادة العباد في التكوين والتقدير .. .. وقد خصص العلى القدير في استمرارية الإرادة التطهيرية في الخلق في آية واحدة ولمرة واحدة لم تتكرر في القرآن ..

وهو قوله تعالى :

{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33 والمقصود بإجماع أهل التفسير من آل البيت عليهم السلام وغيرهم هم الخمسة المطهرون من آل البيت النبوي المطهرين وقد فصلنا الموضوع في كتابنا آل البيت عليهم السلام . (1).

أمام فعل واحد مستمر وهو تمثيل [ إرادة الارتداد ] المتواصل وهو المحدد لهوية حزب الشيطان

{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ } .. وهي مهمة إرادية تمردية على أحكام الله العلية في قوله تعالى : { أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء } ..

وهي النزعة المتمثلة في تكريس الشيطان اللعين لحالة التمزيق والتجزئ الأرضي بكل محتوياتها من العداوة والحروب والفتن ونشر الرذيلة والفحشاء ..

وهو قضاء الهي عليه بعد نكران القبول بالأمر الإلهي والسجود .. ولهذا كان ابليس يمثل حالة .. تكريس الإرادة الشيطانية كرد فعل تمردي على قوانين الإرادة الإلهية وهو قوله تعالى :

{ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَر} ..

وهذه رسالته الأزلية المختارة . ..

قال تعالى :

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة 268

وقد جاءت الآية مرتين بصيغة : التقريع والوعيد وهو قوله تعالى :

{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم } التوبة /55 ، 58

وهكذا تحقق ميزان الإرادة الإلهية في إثبات العدل الإلهي من خلال إثبات قانون الإرادة وإبراز حالة التطهير وإعلاء الأنموذج التوحيدي والسموالإحساني . والمطلق التطهيري الأرضي في عالمية الإحسان لا يمكن تحديده سوى في البيت النبوي المحمدي وهم [ ذوي القربي ] الواجب موالاتهم ومحبتهم نظير الفضل المحمدي في النبوة العلية وهي باب البشارة القرآنية للأمة ...قال تعالى :

{ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }الشورى23

والحسنة وأولوا القربى في الآية جاءت ملحقة توصيفيه لمصطلح [ذِي الْقُرْبَى ] وهو قوله تعالى :

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90

وهذه الاستثنائية الفريدة في القرآن جاءت واضحة في آل البيت المحمدي عليهم السلام باعتبارها ركيزة الثقلين الأعظمين وفي الصحيح :

" إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي ] (2)

وهما ميزان العدل الإلهي والمفرزة الإلهية بين العباد باتجاهي الخير والشر.. وهذه الروعة القدرية جاءت في غياب قوة الإكراه ..

وهو قوله تعالى :

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256

وهذه الاستثنائية القدرية وهو قوله تعالى : [إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ] .. وهم قربى آل النبي عليهم السلام .والميزان لقاعدة التحقيق الإيماني في الأرض وفي السماء .

وآل محمد الطاهرين هم ورثاء الدين وبوابات العلم الإلهي ومناط القبول الرباني والأمان للأمة المحمدية .. قال صلى الله عليه وآله وسلم :

[ أهل بيتي أمان لأمتي من الغرق ] (3)

[ وفي رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين :

[ النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس ] (4)

وهم الثقل الأعظم المستوعب للحقيقة الإلهية وحقائق الغيب النبوي وهم كما في آيات المائدة : الولاية العظمى [ حزب الله الغالبون ] وهم المخصوصون بكرائم القرآن وسره ومكنونة ، وفي الآية الكريمة جعلهم العلي القدير حين كونهم فكانوا أهل العدل والقسط وجعلهم خلفاء الأرض ، وهم الذين سيختم الله تعالى بهم الدين في دوله العدل الإلهية وهم عليهم السلام حالة من الأمر والإرادة الإلهية ..

ولهذا ينكشف السر في قوله تعالى :

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى }

الدوائر الإيمانية المتوازية والمعرفة لمصطلح [ الأمر ] : العدل ــ الإحسان ــ ذي القربي ....

{ وقد اجتباهم العلي في علاه نقيضا لحالة الظلم والظالمين ولهذا جاء قوله تعالى لتأكيد حالة الأمر

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ} .. تأكيدا متواصلا مع إثبات الإرادة كما قلنا ..

و قوله تعالى :

{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33 ..

وقد وضحنا أن مصطلح الإرادة { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ } قد تكرر 4 مرات في القرآن فيها التحدي لقوى الظالمين ولحالة التمرد الشيطانية الموحدة في الأرض .. والآية الوحيدة التي تمثل فيها وحدة الطهر المقدس هي المكنوزة في النور المحمدي المخلوق .. وفي الآية القرآنية .. جعل العلي القدير هذا المكنوز النوراني المحمدي والوثاق وخطاب الميثاق العلوي الأول { الْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ } ...

وقد ذكرنا حين شرحنا مصطلح : [ العروة الوثقى في القرآن ] عمق الحقيقة والسر في المصطلح وهي العترة النبوية المطهرة عليهم السلام .. التي شكلت حالة الوحدة الرحمانية غير القابلة للتفريق والتجزئ . قال تعالى :

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32

والنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو نبي الرحمة وهو الرحمة المهداة .. وحين أوصى الأمة : [ أخلفوني في أهل بيتي ] فكان يوصي بتحريم التفريق بين الرحمة كحالة ممتدة في أهل البيت عليهم السلام حتى يوم القيامة .

ولهذا كانوا بوصف النبوة : هم [ الثقلين ] الذين لا انفصام لهما

[ كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ] (5)

وفي قوله تعالى في نفس الآية : { قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } .

والحرمة الأبدية للفصل بين جناحي الدين والرسالة لازمه في الآية التهديد والتحذير المشدد للمتجهين لحالة الفصل بين العترة والقرآن وحدة إرادة ربانية : أهم يقسمون وفيه الاستغراب الاستنكاري المتوقع [ نحن قسمنا بينهم معيشتهم ] وهي الكيانية الملكية التي جاءت بإزاحة آل البيت عليهم السلام عن القرآن والأمة ..[ ورحمة ربك خير مما يجمعون ] وهم الذين جمعوا بين الشيطان والذات الفانية .. فما جمع الله في تكوينه هو خير مما يجمعون بين الهوى وحركة الإعاشة

[ معيشتهم] !!

هو كشف الهي صريح بثبات العروة الوثقى وهي حاملة سر الميثاق الإلهي في عالم الملك والملكوت .. كوجهة لفرز الحق المطلق من دنس الشر الشيطان المطلق .. وقوله تعالى :

{ لاَ انفِصَامَ لَهَا } وهو تعبير عن قدر إلهي ثابت وأزلي يمثل حالة رحمانية موحدة لا تغيير فيها ، والتعبير القرآني في العروة الوثقى هي تصوير لعروة القميص المركبة وهو توصيف معبر لحالة موحدة بين القميص والجسد وأهل البيت عليهم السلام هم الحماية الإلهية للنبوة ..والمفسر لذلك هو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وحدة القرآن والعترة المطهرة .

[وإنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ] [إني تارك فيكم الثقلين ] ..

[ كلاهما أعظم من الآخر ] وهو تحديد ثنائي مركب ومستمر .. وفيه أكد النبي صلى الله عليه وآله على هذه الثنائية التي غطت معظم آي القرآن فقال :

[ على مع الحق والحق مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ] وقال :

[ علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على الحوض ] ..

نفس المصدر السابق ..

فالحق هو الله الواحد الذي لا يقسم رقمه على غيره .. ولهذا لا يمكن أن يكون الحق والقرآن مجزأ بل وحدة تكوينية مستمرة في التطهير المتواصل مع تواصل الأمر الإلهي والإرادة وهو قوله تعالى :

{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33 ..

فجاءت الإرادة في مصطلح الآية تأكيد على القدرية في التكوين المستمر والمستقبلي وفي قوله تعالى :{ ليذهب } فيها الاستقبال المستمر .. لتأكيد حالة حزب الله المستمرة .. في مواجهة حالة [ حزب الشيطان ] المستمرة .. وهو الموصوف قرآنيا بالطاغوت .. وهو ذرة حالة المفسدين ومجمع الشيطان السفلي

وهو قوله تعالى :

{فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ } : الصافات98

{ نجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ } : فصلت29

وهذا المصطلح قد شرحناه فيما سبق (6)..

وفي قوله تعالى :

{يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } : النساء26

وهذا التبيين جعله تعالى ملازما لحالة الإرادة الإلهية في البيان الإلهي وهو عمق الرسالة ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو صاحب الرسالة وآل بيته المطهرين عليهم السلام هم ورثة النبوة في العلم والدين والتفسير والحكم والتأويل وبهم وخلافتهم سيختم العلي القدير الدنيا . وهذا مرهون بالهداية " ويهديكم " فجعل العترة المطهرة وهم أحد الثقلين ..الأعظمين بوابة الهداية الإلهية في الأرض وهم بالكلية " خلفاء الله المهديين " .. و بهذا المدخل يمكن تحديد مفهوم المصطلح ..

مفهوم المصطلح :

: إن مفهوم الإرادة الإلهية في وجهتنا تنبع من عمق الحقيقة الإلهية والتقدير الإلهي الأزلي في .الخلق والمخلوقات وهي كذلك إرادة التحقيق الإلهي في الخليقة وقراءة إحاطية بأسرار الخلق . وكذلك كشف سرا لخالق ذاته لذاته للمخلوقات عبر النبوات المقدسة وما حملتها من كلمات القداسة عن عالمية روح الله وقدرته وسره في كل الأشياء ...

وختم الحساب والعقاب وفق مشيئة المتعالي العظيم ..

فعندما أراد الله قدر الأشياء .. وعندما قدر الأشياء خلق الخلق .. فكان أصل الإرادة في الخلق الكلمة . وهي النور . وأصل الكلمات هي محمد صلى الله عليه وآله المطهرين ..

فالإرادة هي تعبير عن حقائق معرفية كشفت للخلق من عالم الأمر المطلق والذي لا يعلم سره إلا العلى في علاه .. خبئه في غيبه ولم يطلع عليه إلا من ارتضى من رسول ..

{ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً } : الجن 26

{ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } : الجن27

: وكان نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .. وهو الذي دخل عالم النور والعرش الرحماني في معارج وصول لم يصله الواصلون غيره .. ولهذا كان محمد النور الأزلي العارف بسر الحقائق الإلهية والمعارف الربانية . فكان صلوات الله وسلامه عليه هو نواة النور المخلوقة الأولى . وأعطي النبوة في عالم الروح الأزلية ولم يعرفها قبله ولا بعده ..

[عن عبد الله بن شقيق أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا قال كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ] (7)

. وقد فصلنا هذا الموضوع الخطير في باعه وسره في مبحثنا المتواضع :

:" خلق الله آم عليه السلام من أجل محمد وآله الطاهرين عليه الصلوات والتسليم (8)

وفي قوله تعالى في سورة النساء : { يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } النساء/26

مفهومة تبيان سبل الهداية لحقائق الإرادة من عالم الأمر الإلهي ..

وفي هذا المبحث العقائدي يجئ مفهوم الإرادة في القرآن لها مدلولها القدري المتواصل ، ولهذا جاءت الإرادة بعد الإقرار متعلقة بلام المستقبل وهي للتأكيد المستمر في الفعل الإلهي .. وفي إعراب القرآن : اللام " أعطيت حكم التعليل " ويريد " فعل مضارع واللام للاستقبال إذا جاء في الأمر الذي يليه : مثال " يريد " : " ليذهب " أو " ليتوب " أو " أن يتوب " .. " أن يخفف " فالتي جاء بها اللام هي للاستقبال والتي يجئ معها [ أن ] : للتأكيد لصورة وحقيقة الإرادة في الفعل الرباني ... ويلاحظ المهد وف القرآني في الشرح والإعراب واضحا : أن الإرادة الإلهية مرهونة بالأعمال وحقيقة التكوين وسر التكوين ..

والإرادة في التعريف :

: [المَشِيئةُ الإِرادة شِئْتُ الشيءَ أَشاؤُه شَيئاً ومَشِيئةً ومَشاءة ومَشايةً ( 1

وفي الحديث أَن يَهُوديّاً أَتى النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم فقال إِنَّكم تَنْذِرُون وتُشْرِكُون تقولون ما شاءَ اللّهُ وشِئتُ فأَمَرَهم النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم أَن يقولوا ما شاءَ اللّه ثم شِئْتُ المَشِيئةُ مهموزة الإِرادةُ وقد شِئتُ الشيءَ أَشاؤُه وإِنما فَرَق بين قوله ما شاءَ [ ص 104 ] اللّهُ وشِئتُ وما شاءَ اللّهُ ثم شِئتُ لأَن الواو تفيد الجمع دون الترتيب وثم تَجْمَعُ وتُرَتِّبُ فمع الواو يكون قد جمع بَيْنَ اللّهِ وبينه في المَشِيئةِ ومَع ثُمَّ يكون قد قَدَّمَ مشِيئَة اللّهِ على مَشِيئتِه والشَّيءُ معلوم ] (9) وفي سورة الكهف النهي عن تقرير مشيئة الإرادة إلا بد تحديد المشيئة الربانية وفيه صحة الاعتقاد .. {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً }الكهف تحديدا لإرادة الذاتية 23{إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }الكهف24

ــ والذكر هو مادة الروح نحو العرفان والهداية . وأئمة الهدى هم عليهم السلام أهل الذكر .. وعلى الأمة ألا تنسى ذكرهم فهم القرآن الناطق وهو قرار إرادة إلهية لذكرهم فهم عليهم السلام .. إرادة الله في الأرض وهو قرين قوله تعالى في سورة الضحى : {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }الضحى11

فنعمة الله تعالى وهو المنعم ليس الشراب والطعام والشهوة و إنما النعمة هم آل البيت عليهم السلام ، وعلى جماهير الأمة أن تتحدث عنهم وعن علمهم .. وعن حقهم وتصرخ في وجه الطغاة لمظلوميتهم .. صرخة تعيد الثقلين الأعظمين للوحدة والنهوض بإرادة علوية نحو الله بتحقيق عدله وقسطه ، وهذه هي النعمة المرجوة القادمة هدية الله للمؤمنين والأمم :خليفة الله العادل الكامل عليه السلام .

[قال ابن الأَثير النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إِرادة الخير للمنصوح له فليس يمكن أَن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها وأَصل النُّصْحِ الخلوص ومعنى النصيحة لله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإِخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه ونصيحة رسوله التصديق بنبوّته ورسالته والانقياد لما أَمر به ونهى عنه ونصيحة الأَئمة أَن يطيعهم في الحق ] (10)

الإرادة في اللغة :

[ المَشِيئَة : الإرادة ومثله في المصباح والمُحكم وأَكثرُ المتكلِّمين لم يُفرِّقوا بينهما وإن كانتا في الأَصل مُختلِفَتَيْنِ فإنَّ المَشِيئَة في اللُّغة : الإيجاد والإرادة : طَلَبٌ أَومأَ إليه شيخنا ناقلَّ عن القُطْب الرَّازي وليس هذا محلُّ البسْطِ والاسمُ منه الشِّيئَة كشِيعة عن اللحيانيّ ومثله في الرَّوض للسُّهيليّ وقالوا : كلُّ شَيْءٍ بمشيئة الله تعالى بكسر الشين أَي بمَشِيئَته وفي الحديث : أَنَّ يهوديًّا أَتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فقال : إنَّكم تُنْذِرونَ وتُشْرِكون فتقولون : ما شاءَ اللهُ وشِئْتُ فأَمرهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بأَن يقولوا : " ما شَاءَ اللهُ ثمَّ شِئْتُ " وفي لسان العرب وشرح المُعلَّقات : المشِيئَةُ مهموزة : الإرادة وإِنَّما فرق بين قوله : ما شَاءَ اللهُ وشِئْتُ " وما شَاءَ اللهُ ثمَّ شِئْتُ " لأنَّ الواو تُفيد الجمعَ دون الترتيب وثمَّ تَجْمَعُ وتُرَتِّب فمع الواوِ يكون قد جمعَ بين الله وبينَه في المَشِيئَةِ ومع ثمَّ يكون قد قدَّم مَشِيئَةَ اللهِ على مشِيئَتِه .] (11)

والرود من الريادة والرئاسة وهي تعبير عن قوة علوية قادرة على تنفيذ الإرادة بأمر كن فيكون وفي اللغة :

[ الإرادةُ المشيئة و راوَدَهُ على كذا مُرَاوَدَةً و رِوَاداً بالكسر أي أراده و رَادَ الكلأ أي طلبه وبابه قال و رِياداً أيضا بالكسر و ارْتَادَ ارْتِيَاداً مثله وفي الحديث

{ إذا بال أحدكم فليرتد لبوله } أي فليطلب مكانا لينا أو منحدرا و الرائِدُ الذي يرسل في طلب الكلأ و المُرادُ بالفتح المكان الذي يذهب فيه ويجاء و المِرْوَدُ بالكسر الميل وفلان يمشي على رُودٍ بوزن عود أي على مهل وتصغيره رُوَيْدٌ يقال أرْوَدَ في السير إرْوَاداً و مُرْوَداً بضم الميم وفتحها أي رفق وقولهم الدهر أَرْوَدُ ذو غير أي يعمل عمله في سكون لا يشعر به وتقول رُوَيْدَكَ عمرا أي أمهاه وهو مصغر تصغير الترخيم من إرْوَادٍ مصدر أرود يرود ] (12)

شيأ ]

و [المَشِيئةُ الإرادة تقول منه شاءَ يشاء مَشيئةً قلت وفي ديوان الأدب المَشئيةُ أخص من الإرادة ] (13)

عالم الإرادة :

وهو كل شئ مرده إلى الله تعالى في السبب والمسببات والخلق والتكوين ، أي مردود لله تعالى وفق إرادة إلهية .. [مَخْلوقُون بإِرادَةِ اللهِ تعالى لا يَقْدِر أَحدٌ على تَغْيِيرِ الخِلْقَةِ " ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ " فآثارُ الخِلْقَةِ والصَّنْعَةِ تَدُلُّ على الطّاعَة وليس يُعْنَى بها طاعةُ العِبَادَةِ ؛ لأَنّ فيهما مُطِيعاً وغيرَ مُطِيعٍ وإِنما هي طاعةُ الإِرادَة والمَشيئَة . كذا في اللسان . القُنُوت : " ] .. (14)

[ والإِرادةُ : المَشِيئةُ وأَرادَ الشَّيْءَ : شاءَهُ . وراوَدْتُه على كذا مُرَاودَةً ورِوَاداً أي أَرَدْته قال ثعلب : الإِرادَةُ تكون محبةً وغير محبة وأَرادَه على الشَّيءِ كأَداره . وأَرَدْتُه بكلِّ رِيدة وهو اسمٌ يُوضع مَوضِع الارتيادِ والإرادة أَي بكل نوع من أَنواع الإِرادَةِ ] (15)

[.والإِرادة : أَن الإِرادة قد تكون مُضمرةً لا ظاهرةً والطَّلب لا يكون إِلا ! ّ لِمَا بَدا بفِعْل أو قول كما في شرح أَمالي القاليّ لأبي عبيد البكريّ . وهل مَحلّ الإِرادة الرأْسُ أو القلبُ ؟ فيه خِلافٌ انظره في التوشيح . وفي اللسان : والإرادة : المَشِيئةُ أَصله الواو لقولك : رَاوَدَه أي أَردَه على أَن يفعل كذا إلا أن الواو سَكنتْ فنُقِلت حَركتُها إلى ما قبلَها فانقَلَبَتْ في الماضي ألفاً وفي المستقبل ياءً وسقَطَتْ في المصدر لمجاوَرتِها الأَلفَ الساكنَةَ وعُوِّض منها الهاء في آخره . والرَّائِدُ : يَدُ الرّحَآ وقال ابن سيده : مَقْبٍضً الطاحِن من الرَّحَى . والرائدُ : المُرْسَلُ في الْتِمَاس النُّجْعَة وطَلبِ الكَلإِ ومساقط الغَيْث والجمعُ : رُوَّادٌ مثل زائر وزُوَّار . وفي حديث عليٍّ في صفة الصحابة رضي الله عنهم يَدْخلُون رُوَّاداً ويخرجون أَدِلَّةً أَي يَدْخُلونَ طالِبينَ للعِلْم مُلْتمَسِينَ للحِلْم من عِندِه ويخرجون أَدِلَّةً هُداةً للناس . ورِيادُ الإبل : اختلافُها في المَرْعَى مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً وقد رَادَت تَرُود . قاله أبو حنيفةَ والموضع من ذلك : مَرَادٌ ومُسْتَرادٌ وقد استَرَادت الدَّوَابُّ : رَعَتْ . وكذلك مَرَادُ الرِّيح وهو المكانُ الذي يُذْهَب فيه ويُجَاءُ قال جَنْدَل ] [ورائِدةٌ ورَؤُدٌ الأَخيرةُ عن أبي عليٍّ : طَوَّافَةٌ في بُيُوت جاراتِها وقد رَادَتْ تَرُود رَوْداً ورَوَدَأناً محركةً فهي رَادَةٌ إذا أَكثَرَت الاختلاف إلى بيوت جاراتها . ورجُلٌ رادٌ أي رائدٌ وقد جاءَ في شعر هُذيل رادَ رادُهم وبَعثوا رادَهم قال أَبو ذُؤَيب يَصف رَجُلاً حاجاً طلَبَ عَسَلاً ] . (16)

وتعرف الريادة بأنها تعبير عن روح السيادة المنبعثة من عالم الإرادة العليا ..

دائـرة الإرادة :

دائرة الإرادة هي دائرة خلقية ومخلوقة واحدة ..

ومصطلح [ أردنا ] ورد في القرآن بعدد [ 4 ] وهي مخصوصة لتبين علم الإرادة الخاصة والمشيرة في آياتها الى قوة العلي القدير في تدبير الأمر في الخلق والعوالم.... وهو الذي يشكل المفصل الحاسم في الأمر والانتقام من الظالمين وفي الآيات يبرزمن ثناياها روح القوة والحسم النظامي الرباني .. قال تعالى :

ــ {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }النحل40

ــ {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }الإسراء16

ــ {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً }الكهف81

ــ {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ }الأنبياء17

وفي قراءتنا للمصطلح رأينا إن دائرة الإرادة تشكل دائرة خاصة تفيد أن الأمر كله لله وهو قوله تعالى :

{ قلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } آل عمران154

والمعجز حقا أن تجئ هذه الآية لمرة واحدة توحيدية فردا نية بنظم الواحد الأحد ..

وهي آية كريمة تمثل شمولية الإحاطة الإلهية كما الإرادة الإلهية .. وفيها البيان الفصل والمشير الى حقيقة الختم والإرادة الإلهية في زمن الختم النهائي وزمن وعد الآخرة .. وفيه بيان وظهور خليفة الله المهدي عليه السلام وهو كما في قرائتنا لمصطلح [ الساعة في القرآن ] ذكرنا أنه أمر الساعة هوتعبير رمزي واضح عن علم الساعة وأمر الساعة ، وفي قراءة مصطلح علم الساعة قد جعله العلي القدير من عالم الأمر الإلهي ولهذا نسبها العلي القدير في القرآن الى ذاته العلية .. فوردت في القرآن الكريم بلفظ المصطلح [ أمرنا ] وهو على موازاة [ عبادنا ] وقد سبق شرحه في مباحثنا .. وقد جاء المصطلح وحسب الرصد القرآني بعدد [ 18 مرة ] انقسمت في جميع الآيات لتؤكد حقيقة أن الأمر الإلهي متمثل في تصوير فاعل للقدرة الإلهية العلية .. ومشيرة بدورها للفعل الإلهي ..

ومثال ذلك في قوله تعالى :

{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ }الأنبياء73

{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }السجدة24

{ حتى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }يونس24

{حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }هود40

{وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ... } هود58

{فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا } هود66

{فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ }هود82

{وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ }هود94

{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }المؤمنون27

{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ }سبأ12

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الشورى52

{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ }القمر50

وفي جمع هذه الآيات المباركة التأكيد على حتمية ظهور القيادة الإلهية حاملة اللواء الرباني وهي إشارات واضحات لظهور خليفة الله المبارك في الأرض ناشرا العدل والقسط . وكما في شروحاتنا التفسيرية أن القرآن فيه الصورة المثال المبارك والأنموذج المبارك المراد .. وفي الآيات السابقة وهي المحتوية على مكنوز الإراة الربانية ... فشخصية الأنبياء عليهم السلام .. وسليمان عليه السلام تحديدا فيه إيماءة جليلة على حتمية التمكين من قلب الإرادة الإلهية ، فهي المصطلح التكويني للحالة الإلهية في الخلق والدليل على التمكين وبيان حالة الأمر كما وهو الدليل لحتمية ظهور خليفة الله المهدي عليه السلام مجددا وخاتما لدين الله في الأرض ..

[ الأنموذج السليماني المحمدي ]

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

[ وعن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان، والكافران نمرود وبخت نصر، وسيملكها خامس من أهل بيتي ] .
أخرجه أبو الفرج ابن الجوزي، في تاريخه. : عقد الدرر في أخبار المنتظر: في بيان أنه من ذرية رسول الله صلى الله علية وآله وسلم .
وفي الآيات تثبت فيها وحي الإرادة وهو قوله تعالى :

{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } فروح الأمر في الآية الدليل على الظهور المهدوي المقدس عيه السلام روحا من أمر الله مخصوصة [ من عبادنا ] يهدي إلى الصراط المستقيم : أي إلى خيار العدل الإلهي . " سورة الشورى " وفي سورة القمر تأكيد على حالة الأمر الإلهي في الخليفة وهو صورة البطل في القصص القرآني . وهو قوله تعالى :

{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ }القمر50 .

.وهو بلا ريب خليفة الله تعالى وهو أمر الساعة الآتي بغتة فجأة وسريعا كما هو دليل بيانه في القرآن والتوراة .. يحكم الأرض بالعدل وفي قوله تعالى :

{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } سبأ12.. هو مدلول رياح التمكين والثورة الإلهية . والمعروف أن الله تعالى يمكن لخليفته المهدي عليه السلام ، فيسخر لاه الريح وقوة الملائكة والجن والإنس تقدما بالعبودية الكاملة والختم النوراني للنبوة المصطفاة وهو قوله تعالى في سورة سبأ :

{ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } ..

وفي قوله تعالى :

" من أمرنا مدلوله الخليفة والبطل الممكن .. في روح معظمة من أمر الله وكيف لا يكون ذلك وقد حباه الله تعالى قوة النور والأمر على الملائكة وجعل تعالى " جبريل وميكائيل بين ساقته .. فيتقدم نحو التحرير ببينة ووحي ملائكي من ربه .. خليفة الله موصول بالله يأمره الله تعالى ولا يأمره أحدا غيره ولهذا وصف في القرآن بأنه " أمر الله "

وفي قوله تعالى :

{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } وبأعيننا أي بأمرنا وروحنا . وفي سورة هود/37

يتكرر المصطلح القرآني [ بأعيننا ] دليل الرعاية الإلهية وهو قوله تعالى :

{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ }هود37 .. وهي دليل سفينة آل محمد الطاهرين الخاتمة حيث ينقسم الناس في زمنه عليه السلام إلى فسطاطين وفي الحديث :

[عن عمير بن هانئ العبسي قال : سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول : كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر الفتن و أكثر في ذكرها حتى فتنة الأحلاس فقال قائل : و ما فتنة الأحلاس ؟ قال : هي فتنة هرب و حرب ثم فتنة السرى أو السراء ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ثم فتنة الدهماء لا تدع من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل انقطعت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنا و يمسي كافرا حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه و فسطاط نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد .

هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه : أخرجه الحاكم في المستدرك رقم 8441

تعليق الذهبي قي التلخيص : صحيح .

والمخرج من الفتنه هو كتاب الله العزيز وهو خليفة الله تعالى وقرآنه في أرضة لايفترق عن قرآنه " لا يفترقان حتى يردا علي الحوض " .

وقوله تعالى في الآية :

{ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } والمغرقون هم المجانبون لسفينة الخلاص ولخليفة الله المخلص فيكونوا آنذاك في فسطاط الكفر [ تجربه نوح عليه السلام : المثال ] . والملاحظ في نفس الآية وجود صورة الأمر الإلهي ..وهو قوله تعالى : { فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } المؤمنون/27 .. والأمر هنا هو ليس خافيا فهو ليس أمرا معنويا ولكنه روحا والأعظم في خلقه بنص الحديث هو " خير الناس " خليفة الله المهدي عليه السلام .

وفي ختام الآية دليل التفصيل وهو المهدي الموعود محارب الظلم العالمي .. والدليل هو قوله تعالى :

{ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ } المؤمنون27

وفي معجم الطبراني قوله صلى الله عليه وآله وسلم :

[لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا ] رقم /10214 فهم الشجرة الخبيثة و ..المغرقون هم المهزومون والمجتثون من الأرض قال تعالى :

{وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}إبراهيم26

وفي آيات هود السالفة جاء مصطلح أمرنا : في سورة هود أربع مرات وهو في قوله تعالى :

{حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا } {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً } {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً } {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا } ..

وفي سورة الأنبياء : جاء التعريف بدور النور الخاتم في سياق المصطلح التكويني :

[ من أمرنا ]: أي من إمامنا : وهو خليفة الله خاتم الأئمة النورانيين عليهم السلام . من آل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } الأنبياء،73 : يونس/24

وهكذا نرى جدلية الربط بين خط الأمر والإرادة الإلهية وخط النبوة والولاية وهو ما أصطلح عليه في مباحثنا [ الولاية الكبرى ] . قول الحق الذي فيه يمترون :

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }المائدة55

الإرادة الاستهوائية :

[ إِرادَةِ النَّسَب قال الله تعالى " وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى " قال الفَرَّاءُ : يريد يَهُوداً فحذف الياءَ الزائدةَ ورجَع إِلى الفِعْلِ مِن اليَهُودِيّة وفي قراءَة أُبَيٍّ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَو نَصْرَانِيًّا ] (17)

وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بالإرادة الإستهوائية وهي إرادة الهوى والتفرد الغائي

وكان التهود الوثني الإسرائيلي المتضاد مع حركة الأنبياء عليهم السلام .. وهي ما عرف في المصطلح القرآني كما في المدخل [ الطاغوت ] . ...

وهو ما نعرفه في قرائتنا للمصطلح ب [ إرادة النفس والهوى ] .. (18)

قال تعالي في تبيان تيار الإرادة الشهواني :

{وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء27

وفي سياق هذا الفهم التحليلي للمصطلح نرى أن علم الإرادة يمكن تحديده إلى اتجاهين :

1ــ إرادة ربانية :

وتشمل جميع الحقائق الإنسانية ومناحي القبول والتفاعل الإيجابي منع هذه الإرادة المقدسة ويمكن وصفها ب [ الإرادة التطهيرية ] وأهم خصائصها هو حالة الجذب الإنسانية نحو عالم الملكوت المقدس ..لأنه لا يمكن الصعود والدخول في الدائرة الملكوتية إلا بامتزاج الروح .. في المادة فتصبغها بصبغة الله

{صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ }البقرة138

وهي بالتمام أنموذج حزب الله الكامل بقيادة خليفة الله الكامل .

2ــ إرادة شهوانية :

" وهي إرادة الهوى وهي النقيضة للوحدانية المندفعة نحو تعظيم الذات وعبادة النفس وهو الهوى . يقول تعالى:

{ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا } النساء135 وفي مدخل الآية : { {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ] والقوامة والتقويم الذاتي هو أساس منهاج القسط العادل .. والمختصر في منهاج الخليفة العادل القادم هو نفي التوجه نحو الذات خروجا بالحالة نحو التعويض بالروح .. فتنكشف المادة أمام نور الروح .. فتذوب الذاتية النفسية أمام تعظيم الربوبية .

والقرآن في كنوزه العظام يدفع الحالة الإنسانية بإرادة رحما نية نحو صبغة الذات الإنسانية بالصبغة الربانية وصفات الإرادة العلوية فيكون تعظيم الخالق للمخلوق ولو قلبت المعادلة لكان الطغيان والتجبر في الذات وهو الخسران المبين وهو التجلي الظاهر في قوله تعالى :

{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ }ص26

ومن اللذات الشهوانية الانغماس في الملذات والتوجه نحو الغدر والانتقام والجنوح لإثبات القتل والدموية وروح المؤامرة .. في الحالة الإنسانية وهذه الشهوانية هي أصلا من الموروث الإبليسي ..وحزب الشيطان .الكامل .

وقد عرفت دراستنا هذا الأنموذج الإستهوائي بالأنموذج الشيطاني ..أو الأنموذج الطاغوتي ..

وفي سورة يوسف عليه السلام قوله تعالى في قراءة المصطلح القرآني [ راودته ] : أي أرادته لمشيئتها .. والمشيئة الفردية هنا هي مشيئة استهوائية كما قلنا . وهو قوله تعالى :

{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا } يوسف23

{ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ } يوسف 32

{ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }يوسف51

وفي الآيات الثلاثة خير تعبير عن جوهر مفهوم الإرادة الإلهية والنقيضة تماما مع جوهر الإرادة الفردية الإستهوائية ونقل الإرادة من إرادة روحية لإرادة مادية صرفة .. وبيان الحق في الآيات الكريمة ينفذ من خلال ظهور الحجة والبيان النبوي وهو غوث الهي ومدد ملكوتي لحالة إرادة النبي وهي إرادة في الأصل ملكوتية علوية ..

وهو فرز بين إرادتين كما هومبين .

وفي تفسير الطبري رحمه الله :

" عن السدي :

{ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } قال : أحبته ] (19)

وهنا لا نفهم من الآية الكريمة سوى عملية تضاد وتناقض بين إرادتين ونميل إلى الفهم الروحاني في التفسير وهو أنه قد همت به أي أرادته بقصد الهوى والنزعة المادية وهو أي النبي عليه السلام قد هم بالبعد عنها تجنبا للوقوع في المحظور والقصة الرائعة في المفهوم تؤكد في وعينا حسا فذا عند النبي في تبيان الحجة والدليل على عدم صحة حجة امرأة العزيز بشهود الواقعة وكان الاستدلال باستدعاء القصر والفرعون والنساء هو مدخل لتبان الحجة النبوية من خلال خلق عملية تمايز للوصول من حالة العرفان والحجة الى حالة التمكين والاستعلاء وأن القصص المروية في كتب التفاسير نراها أقل قامة من قدرتنا على استيعابها بسبب الغرق في التفسيرات الشهوانية المتناقضة مع إرادة التطهير العلوية .. والدليل بعيدا عن التفسيرات المادية هو ذات البيان القرآني في قوله تعالى وهو الحجة التي أنطق الله تعالى بها زوجة العزيز :

{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }يوسف51

.. وفيه بيان الحقيقة وحصحصة الحق وهو ظهوره وبيانه وهو شهادة زوجة العزيز بطهر يوسف النبي عليه السلام .

. وراودته كما ذكرنا بمعنى أرادته وهو ظاهر البيان في قوله تعالى :

{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }يوسف23

وقوله تعالى في وصف إرادة الاستهواء : الظالمون هو ظلم موقفي حكومي على الإتجاه الرسالي ومكنون الإرادة الإلهية المكنوزة في عمقه ..

والدليل الثاني على هزيمة وإخفاق التفسير المادي هو ما جاء في البيان والتوصيف القرآني أيضا في قوله تعالى :

{وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }يوسف25

..وفيه الاتهام مع بيان الملاحقة من الخلف وهو يتجه مبتعدا عن محاولتها وقد القميص من الخلف هو حجة البيان الملكوتي للنبي عليه السلام .. ولو كان مواجها غير مستدبر لها لكان حجة منطقية لجمع المراقبين للحدث .. واستنجاد زوجة العزيز بالحكومة وهي عادة أهل القصر الغارقين في عبادة الذات الفانية :تزوير التقرير الموقفي لصالح زوجة الملوك المفسدين .. وكالعادة للنساء في القصور السطوة وإلا لما كان الحدث مبهرا في البيان وظهور الحجة لصالح قضية التطهير المتفجرة في القصر وهي بالحتم إظهار لإرادة علوية ربانية .. وكان على النبي عليه السلام أن يطرح حجته الظاهرة وبينتة لإثبات حالة التقديس وإرادة القدوس .. وحسب التوصيف القرآني :

{قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ }يوسف26

وكان القميص الذي هو رمز البشارة لوحة إعلانية لحالة البراءة وإثبات لإرادة التقديس وظهور الرسالة ونور الحق في قلب المركز الوثني .. وفي الآيات التالية يوجد بيان الحجة وسقوط منهج المؤامرة والكيد .. وهو بالقطع يعبر عن جوهر إرادة جمعية حكومية وليس إرادة حفنه من النساء المستخدمات للمتعة في قصر الوثنية ..

{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ }يوسف27

{فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ }يوسف28

قال الطبري رحمه الله بعد تسجيله للآراء :

[ معناه : ولقد همت المرأة بيوسف وهم بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمها به مما أرادته من المكروه لولا أن يوسف رأى برهان ربه وكفه ذلك عما هم به من أذاها لا أنها ارتدعت من قبل نفسها قالوا : والشاهد على صحة ذلك قوله : { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } قالوا : فالسوء هو ما كان هم به من أذاها وهو غير الفحشاء ] (20)

[ وأما قوله : { وشهد شاهد من أهلها } فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد

فقال بعضهم : كان صبيا في المهد ] (21))

أما ظهور معجزة الصبي الرضيع ونطقه في المهد فهو الشاهد الإعجازي الذي ليس من السهل إنكاره كحجة بيانية ودورها في فضح طغيان الضغط الحكومي الفرعوني وسقوط التدخل المخابراتي في مواجهه الإرادة الإلهية في النبوة . وكان من ثمار هذه المعركة في صراع الإرادات هو تسلل الدفئ الإيماني الى قلب زوجة العزيز فأسلمت بدين التوحيد اليوسفي وسرعان ما انهار المشروع الطاغوتي الموهوم وأسقط الله تعالى بمنحة المعجزة إرادة الظالمين وصعد نجم النبي يوسف عليه السلام كتمثيل لإرادة الله العلوية ..وهو ما جاء بيانه القرآني على لسان النبي عليه السلام :

{ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } يوسف23

[قال محمد بن إسحاق : لما قال يوسف للملك :

{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } : يوسف55

قال الملك : قد فعلت فولاه فيما ذكروا عمل اطفير وعزل اطفير عما كان عليه يقول الله عز وجل :

{وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }يوسف56

قال : فذكر لي ـ والله أعلم ـ أن اطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة اطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال لها : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ قال : فيزعمون أنها قالت : أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين : أفرائيم بن يوسف وميشا بن يوسف وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب عليه السلام وقال الفضيل بن عياض : وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته والملوك عبيدا بمعصيته ] (22)

وهو التمكين والظهور ليوسف النبي عليه السلام .. من سجين ومستضعف الى صعوده لأعلى سدة الحكومة وهو طلبه من الله تعالى أن يجعل له هذا الملك وهو قوله تعالى :

{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }يوسف55

وهكذا انتصرت الإرادة الإلهية بالظهور من خلال إرساء مشروع المعجزة والبيان وهو مفاد قوله تعالى في بيان الإرادة وقوة البيان كمدخل للهداية وهو معجزة الرحمن لخليفته في الأرض :

{ {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }النساء 26

وهي كما قلنا إرادة متواصلة ومستمرة وصولا لإرساء مشروع الهداية الإلهية والتي فيها التوبة والظهور .. وهو خطاب مفتوح للمستقبل الواعد والموعود نحو الظهور المحتوم لوريث الرسالات وخاتم أولياء آل محمد صلى الله عليه وآله المطهرين .. وهو خليفة الله المهدي عليه السلام .. وهو المهد وف من عمق التأويل والقصة ..فالله تعالى عندما يتوب على الولي ليس بالضرورة العقلانية أن يكون مخطئا ولكن هو تصعيد شمولي للحالة بالهداية من خلال التوبة ..وهي أعلى أشكال التطهير ، ولهذا جاء في القرآن الكريم بيان مهمات الإرادة المتواصلة في قوله تعالى : والذي يؤكد وجهتنا هو قوله تعالى :

{وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء27

وهي صورة قرآنية من المبالغة في رسالة التوبة المتواصلة للحالة الإيمانية .. وفي نظرنا هو حالة من المراقبة الربانية للحالة الروحية دفعا بها نحو اشتعال الثورة الروحية وهي أعلى أشكال الإرادة والممثلة من تحول الحالة من التوبة والهداية لسبيل المؤمنين وهي [ القيادة الإلهية ] ..

وفيه صورة توصيف قرآنية بالغة في الدقة من تحويل المشروع المقدس من حالة محاصرة إلي بلوغ العالمية من خلال قوة دفع الحالة الروحية المرسومة على قاعدة الأمر الإلهي و الإرادة الإلهية في الحالة الثورية الصاعدة في مواجهة الطاغوت وحالتهم الحاملة لكل أشكال الضغط والميول نحو الشهوانية الأرضية وهو التوصيف القرآني للحالة المضادة قال تعالى في نفس الآية :

{وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء27 ..

وأتباع الشهوات هو توصيف جمعي يرسم ملامح ثورة مضادة للقيم والإرادة الإلهية ... وهي التي تتجسد اليوم في منهج المؤامرات الإستكبارية لمجمع القوى الشيطانية أو ما يعرف اليوم بالمجمع الماسوني الشيطاني وهو الذي ظهر أول ما ظهر في قلب فرنسا ــ الماسونية الزرقاء ــ حاملة لكل أشكال الوثنية اليهودية والإفساد الإسرائيلي .. وقوله تعالى : { مَيْلاً عَظِيماً } هو توصيف لحالة الإفساد الكوني النهائي .. (23)

قال القرطبي رحمه الله :

قوله تعالى :

{يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }النساء26

قال القرطبي في تفسير الآية :

[ أي ليبين لكم أمر دينكم ومصالح أمركم وما يحل لحكم وما يحرم عليكم وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى ومنه قوله تعالى :

: { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ } : [ الأنعام : 38 ] .

على ما يأتي وقال بعد هذا :

{يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً } [ النساء : 28 ]

فجاء هذا بأن الأول باللام فقال الفراء : العرب تعاقب بين لام كي وأن فتأتي باللام التي على معنى كي في موضع أن في أردت وأمرت فيقولون : أردت أن تفعل وأردت لتفعل لأنهما يطلبان المستقبل ] (24)

وفي الإعراب : اللام زائدة ولكنها أعطيت حكم لام التعليل و أفادت زيادة اللام تأكيدا لإرادة التبيين ، والمعنى : يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم " وفي سورة النساء .. الآيات الثلاث هي عامة لإرادة الله في المسلمين { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة : /185

وفي سورة الأحزاب قوله تعالى : {

{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33

وقوله تعالى :

َ { و يُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ }الأنفال7

وهي إرادة تطلب حثيثا إحقاق الحق بكلماته .. وفي تفسيرنا للآية الكريمة وهو ما عبرنا عنه في شروحاتنا .. وهو الظاهر البين في قوله صلى الله عليه وآله وسلم في تحديد وجهة الحق للمسلمين : [ إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي لا يفترقان حتى يردا على الحوض ] (25)

[ أخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمه قالت سمعت رسول الله يقول علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ] .. (26)

[ عن أبي سعيد التميمي عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال دخلت على أم سلمة فرايتها تبكي وتذكر عليا وقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة ]

(27)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : في حق علي عليه السلام :

[اللهم أدر الحق مع علي حيث دار] (28)

وذكر أبو العباس بن تيمية في منهاج السنة النبوية :

يتبع بقية البحث في الحلقة الثانية بمشيئة الله تعالى

___________

بقلمـــي

المفكر الاسلامي التجديدي

الشيخ محمد حسني البيومي

الهاشمي

" محمد نور الدين "

أهل البيت عليهم السلام

فلسطين المقدسة

___________

نشر في موقعنا : موقع الساجدون في فلسطين

http://alsajdoon.wordpress.com/2010/08/11


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق